أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
251
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ . يجوز أن يكون مبتدأ ، خبره « أُولئِكَ » وما بعده ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر ، أي : هم الذين ، وأن يكون منصوبا بإضمار فعل على المدح فيهما ، وأن يكون مجرورا على البدل أو البيان ، أو النعت ، قاله الزمخشري ، وأبو البقاء ، والحوفي ، وغيره . وردّه الشيخ « 1 » بأن فيه الفصل بأجنبي ، وهو قوله : « مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ » ، قال : « ونظيره إذا كان صفة » أن يقول : الدار لزيد الحسنة القرشي » وهذا لا يجوز ، لأنك فصلت بين « زيد » ، وبين صفته بأجنبي منهما ، وهو صفة الدار ، وهو لا يجوز ، والتركيب الصحيح أن تقول : « الدار الحسنة لزيد القرشي » أو « الدار لزيد القرشي » . و « يَسْتَحِبُّونَ » استفعل فيه ، بمعنى أفعل ، ك « استجاب » ، بمعنى : أجاب ، أو يكون على بابه ، وضمن معنى الإيثار ، ولذلك عدى ب « عَلَى » . وقرأ الحسن : « ويصدّون » بضم الياء من أصدّ ، وأصدّ منقول من « صدّ » اللازم ، والمفعول محذوف ، أي : غيرهم أو أنفسهم ، ومنه قوله : 2892 - أناس أصدّوا النّاس بالسّيف عنهم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 2 » « وَيَبْغُونَها عِوَجاً » تقدم مثله . قوله : إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ . يجوز أن يكون حالا ، أي : إلّا مكلما بلغة قومه . وقرأ العامة : « بِلِسانِ » بزنة كتاب ، أي : بلغة قومه ، وأبو الجوزاء ، وأبو السمال ، وأبو عمران الجوني بكسر اللام وسكون السين ، وفيه قولان : أحدهما : أنهما بمعنى واحد ، كالرّيش والرّياش . والثاني : أن اللسان يطلق على العضو المعروف ، وعلى اللغة . وأما اللسن فخاص باللغة ، ذكره ابن عطية ، وصاحب اللوامح ، وأبو رجاء ، وأبو المتوكل والجحدري : بضم اللام ، وهو جمع لسان ، ك « كتاب وكتب » . وقرىء : بسكون السين فقط . وهو تخفيف للقراء قبله ، نحو : رسل في رسل ، وكتب في كتب . والهاء في « قَوْمِهِ » الظاهر عودها على « رَسُولٍ » المذكور . وعن الضحاك ، أنها تعود ل « محمد » - صلّى اللّه عليه وسلّم - وغلّطوه في ذلك ، إذ يصير المعنى : أن التوراة وغيرها أنزلت بلسان العرب ليبين لهم النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - التوراة . قوله : « فَيُضِلُّ » استئناف أخبار ، ولا يجوز نصبه عطفا على ما قبله ، لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى ، والرسل أرسلت للبيان لا للضلال . قال الزجاج : « لو قرىء بنصبه على أن اللام لام العاقبة ، جاز » . قوله : أَنْ أَخْرِجْ . يجوز أن تكون « أَنْ » مصدرية ، أي : بأن أخرج ، والباء في « بِآياتِنا » للحال ، وهذه للتعدية ، ويجوز أن يكون « أن » مفسرة للرسالة . وقيل : بل هي زائدة ، وهو غلط . قوله : « وَذَكِّرْهُمْ » يجوز أن يكون منسوقا على « أَخْرِجْ » ، فيكون من التفسير ، وألا يكون منسوقا ، فيكون مستأنفا . وأيام اللّه : عبارة عن نعمه . كقوله :
--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) تقدم .